مشكلة الجزائري مع الزمن كمشكلته مع هويته. تحترق نفسه لمعرفتها، لكنها تظل، بالنسبة إليه، مسألة ميتافيزيقية غامضة.يقول لك الجزائري وهو يودّعك:” نلتقي غدا” أو فيما معناه:” من بعد”. وإذا أراد التفضل بالتدقيق يقول لك:”في حدود الساعة كذا. أما الدقائق فلا وجود لها في ذهنه، ناهيك عن الثواني. 

 في السنوات الأخيرة أصبح حساب وقياس الزمن يخضع لاعتبارات دينية، كأن يضرب لك موعدا بعد صلاة الظهر أو العصر أو العشاء أو صلاة التراويح في رمضان. وأحيانا يضيق به الحال، فيضرب لك موعدا “بعد الماتش” أو بعد غلق “سوق الحراش”. وهذا التصور البدائي للزمن كامتداد سرمدي لا نهاية له إلا بانتهاء العالم جعل حياة الجزائري اليومية قائمة على أمور تقريبية اعتباطية وعشوائية لا مجال فيها للدقة والتدقيق والانضباط. فالجزائري هو الوحيد في العالم الذي يصل إلى عمله متى شاء، ويغادره متى شاء، والطائرات الجزائرية هي الوحيدة التي تقلع “بالنفحة” من دون ميقات. والجزائري هو الوحيد في الدنيا الذي يحمل في معصمه ساعة متوقفة، والمدن الجزائرية هي الوحيدة في العالم التي تفتقد إلى ساعات عمومية، وإن وجدت فأغلبها توقفت عقاربها في كل المواقيت منذ 1962.
وأول ما يقوله لك الأجانب الذين عاشوا في بلادنا:” أنتم شعب يعيش خارج الزمن”. ولا حاجة إلى الاسترسال أكثر فكل واحد منا يعرف عيبه مع الزمن.
ولعل مالك بن نبي وضع أصبعه على موطن هذا الداء الجزائري، وهو يبحث عن سبل تجاوز “الشخصية ما بعد الموحّدية”. وأعتقد أن “الشخصية ما بعد الموحدية”، كما رسمها مالك بن نبي، كانت تفتقد بالضبط إلى مفهوم للزمن يضبط علاقتها بالكون والتاريخ، ويحقق لها التوازن العقلي والنفسي. فهي شخصية تعيش خارج التاريخ، أي خارج الزمن. 
وقد دعا مالك بن نبي الجزائري إلى إصلاح نفسه أولا وقبل كل شيء بقوله:” غيّر نفسك، تغيّر تاريخك”، كما حثّ مالك بن نبي الجزائري على”ترشيد فكره وأفعاله ووقته وماله وقطعة خبزه”. ولاحظوا معي أنه لم ينس الوقت، أي الزمن، كعامل أساسي من عوامل الترشيد.
عبد العزيز بوباكير

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.