دعني أقول لك، إن الأحداث غالبا لا تأتي متسرعة، وإن بدت غير ذلك، ذلك أنها هي بدورها تخضع لعامل التكرار وليس لعامل المصادفة، فانهيار مؤسسة ما هو نتاج خلل طارئ، وقد يكون موصولا بالتأسيس الأولي لها، أما أن يأتي هكذا فجأة ومن سابق إنذار فأظن أن ذلك لن يحدث إلا عند الكوارث الكبرى التي لا تنتظر حسابات ، ولا حسابات من أي مصدر يأتي في مصادرها الخاص والعام.

 وإذا تشكلت لدينا هذه القناعة فإنه وقتها يمكننا فهم الواقع بمنظوره المستقبلي،و إن تفعيل الواقع هو أيضا يحتاج إلى فكر فاعل يأخذ بالمنطلقات الأقرب إلى الحقيقة في الاحتمالات ، طالما أن الواقع ذاته يخضع إلى هذه الاحتمالات ما لم تكن الحوادث فيه مؤكدة مسبقا، والذي يتولى التسيير مفترض فيه فهم هذا المنطق، والأخذ باستمرار بقاعدة افتراض الخطر تجنبا للوقوع فيه، أما أن يتحول المسير ذاته إلى احتمال مستمر لممارسة الخطأ وتركه مع ذلك في مكانه، فإن ذلك يعد ضربا من الممارسات المتجددة للوهم وسوء الإدراك للكوارث التي قد تأتي وتمس مصالح الأمة بالأساس في ظروف مثل ظروف الأزمة التي عاشتها البلاد في العشرية السوداء، كان من المفترض أن تلعب ثقافة الدولة بواسطة ممثليها دورا رائدا، دورا يضع الأمل ويعيد الثقة إلى الناس في بعضهم البعض، لا أن تلعب ثقافة الخطأ وربما الثقافة التحريفية في إعادة الإنسان الى نقطة السؤال من الظالم فيها ومن المخطئ..؟ والسياقات التاريخية تؤكد على ذلك.
 وأظن أنك – معي- إذا قلت لك بأن العالم كله ودون استثناء مر بأزمات حادة وأحيانا دموية وخرج منها بالبديل، في الغرب أخذ بالبديل الديمقراطي وفي بعض الدول الأخرى أخذ ببديل الانقلابات العسكرية. وفي البعض الآخر بالبديل التصالحي في انتظار توفر الظروف لانتقال النظام مما هو عليه إلى بديل يلبي إما التعددية، وإما التوافقية بين الآراء، والقوى المكونة للمجتمع، فالبرتغال مثلا أخذت البديل مما عرف بثورة الورود، وفرنسا أخذت بما يعرف بالثلاثي “الحرية، المساواة، حقوق الإنسان”، وما تشهده موريتانيا مثلا حاليا هو ضد البديل الذي ينشده شعب موريتانيا، لكنه في النهاية لن يخلص إلا لبديل يضع الأحداث في سياقها التاريخي، حتى وإن ظلت نزعة الانقضاض على السلطة هو أحد الوجوه التي يتمسك بها دعاة الانقلاب.
 ولكن من المفيد تصور الأحداث بنتاجها لا بالمواقف المضادة لها، فالتضاد في الساسة لا يؤدي إلا إلى المزيد من الأزمات فضلا من التواري فيها لكل ما هو ممكن ومتاح، لحظتها، لتسويتها وفق معالجة تكون بدورها صانعة للحدث، ومعرضة للفرص الضائعة… حين نهضت الهند من غفوتها بما كانت تعيشه من تناقضات عقائدية معيقة للتحرك خارج مضمونها نهضت بفعل عامل التاريخ الذي أعاده زعيم الهند “نهرو” إلى جغرافية الإنسان ومساحة العقل فيه.. لقد فهم لعبة التاريخ ولعبة الجغرافيا أيضا فأحدث منهما البداية للثورة الملونة خارج منطق ما يحيط بالهند من تواطؤ غربي واستعماري هو بقايا عصور السقوط العقلي ويمكن إسقاط هذا القول على دولة باكستان، أين خرج الزعيم الراحل محمد علي جناح من الإسراف في بقايا الماضي إلى الحاضر ثم المستقبل،، وباكستان الآن هي على مشارف معالم الحضارة بأبعادها التكنولوجية والفكرية. 
أليس هذا هو منطق التصور الجدي لمحتويات العصر، وفق طلبات العصرنة ذاتها.. وبالتأكيد نحن نريد هذا المنطق قصد الانطلاقة نحو أسس المستقبل، وقواعد التجديد فيه لا إلى الالتفاف حول أبواق منظمات سياسية أو مدنية هي بالأساس أسست لصناعة الكلام المتهافت وخدمة مصالحها على حساب خزينة الدولة. نعم هناك مؤسسات تحترق من أجل إظهار منطق قوة الدولة والفضيلة فيه ولا يهمها غير ذلك، وهي بالتالي موجودة على سطح الأحداث قصد تسخيرها نحو فهم العمق الداخلي للأمة، وما يتطلبه هذا العمق من وصفات علاجية تخلصه من نوائب الفعل غير الواعي و غير الأخلاقي.. منظمات ارتبطت بمفهوم ثقافة البناء، وبالرغم الهامش الذي هي فيه لأسباب مادية أو لاعتبارات سياسية لكن هل هذا يكفي لإعادة الواقع إلى ما هو مطلوب بتوافق ونظرتنا إلى المستقبل أم أن الأمر يحتاج إلى هزات داخلية تعيد الوعي الى طبيعة الفعل المؤثر في الأحداث هذا هو السؤال المهم في نظري، وأظنك تريد خلاصة رأي فيه وفيما يمكن أن ينتج عنه والمدى الذي يمكن أن يأكله من حيث البداية والنهاية …؟
محمد لواتي – كاتب صحفي


التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.