الشيخة الريميتي . . إمرأة استثنائية

تعرفت على الشيخة الريميتي وانا صغير..فتحت عيني على اغانيها الى جانب الاغاني الروحية للقناوي..كانت الشيخة من اقاربي من أمي،وصديقة الطفولة لخالتي،انتقلت من بلعباس الى غيلزان ومن ثم الى وهران..كانت خالتي بختة التي كانت تقيم بغيلزان رحمها الله قريبة جدا منها.
وكان ابن زوجها بن خدة رحمه الله عبد القادر قد تزوج من ابنة الريميتي..بقيت احتفظ بذاكرة طفولية عن هذه المرأة الاستثنائية والتي فرضت وجودها كشاعرة شعبية ومغنية فنانة معتدة بنفسها في مجتمع سلطوي وذكوري..ذاع صيتها في الخمسينيات وخلال حرب التحرير وضعت غنائها في خدمة الثورة والتغني بها غنت بطولة الشهداء في اغنية معركة وادي الشولي و نوري يا الغابة نوي..وياشعب الجزاير يا الشعب المناضل..في الستينيات غنت عن ظروف المرأة وحياتها الشقية لكنها ايضا عن العائلة..عن الحب وخيباته عن الغيرة والحسد شكرا وعن الفراق والغياب والقهر والظلم والتهميش..عن تلك الجزائر الخارجة لتوها من الحرب..الغارقة في احزانها وذكرياتها الحريخة وعن تلك الافرازات التي انتجها مجتمع ما بعد الاستقلال. .لازلت اتذكر استطواناتها ال33 تور..
عندما انتقلت الى الجامعة وشرعت اكتب في الصحافة لم أفكر يوما اني ساتعامل مع واحدة من عائلتي كصخفي…كيف يمكن ان اكتب عن قريبة في سن أمي..لازالت تحمل الفن بين ثنايا روحها؟ 
عندما شرعت في تحقيقاتي الاولى عن الراي توجهت الى وهران..لم تكن هناك في منزلها..بل كانت في فرنسا وتنقلاتها الدائمة في اوروبا..تحدثت مع أفراد العائلة واتجهت من جديد الى بلعباس لألتقي بخالتي الكبرى رزيقة واجري معها حوارا نشرته في اضواء عن بدايات الشيخة الريميتي وتقلبات حياتها وتحديها الكبير من اجل مواصلة الغناء.

في نهاية 86،كنت قد غادرت الخدمة العسكرية ومجلة الجيش والتحقت بمجلة المسار المغاربي، كان مقرنا في السنوات الأولى بالطابق الثالث في مبنى المجاهد اليومي في شارع الحرية،وفي ذات يوم اتصل بي زميلي عبد النور زغنوني الذي كان صحفيا بالمجاهد.اخرر عن بواسطة التلفون ان الشيخة الريميتي في مكتبه..لم اصظق..اعتقدت انه يمازحتي كونه يعلم اني مهتم بالراي ويعرف انها قريبتي..وما ان دخلت حتى رأيتها تجلس قبالته..هي ايضا لم تصدق لما رأتني لانها تركتني فتى ولم تتصور انني اصبحت صحفيا…سألتني هل انا فعلا ابن رزيقة فصححتها ان رزيقة خالتي وعندئذ ضحكت وتعانقنا وكانت فخورة انني اصبحت صحفيا كانت الصحافة بالنسبة إليها شيئا عظيما.
دعتنا انا وعبد النور في اليوم الموالي لحضور حفلا كانت ستحييه في سهرة رمضان في فندق مغمور بحمام ملوان..عندما وصلنا الفندق استقبلنا صاحبه بحفاوة..اجلسنا في الصف الأول..وكانت الريميتي تجلس القرفصاء فوق منصة عالية بجانبها قصابيها وقلاليها ومجموعتها التي تساعدها في ترديد الغناء واداء الرقصات المحلية في الغرب الجزائري. .معظم الحضور كانوا من الفلاحين والموالين والناس البسطاء. .غنت في ذلك النساء اغانيها الستينية التي كان الحضور يحفظها عن ظهر قلب..كانت اعمارهم فوق الأربعين. .لكن الريمتي برغم اعتزازها بالنوع القديم للراي الا انها تحدت فيما بعد الشبان وراحت تعمل على التأقلم والتجديد مما جعلها تحافظ بشك دائم على مكانتها الريادية والتجديدية بلادخلت حتى ايقاع الراب في اغانيها الاخيرة قبل ان ترحل على اثر وعكة المت بها في عرضها الاخير بالاوبيرا في باريس .فاغنية (اداوني..اداوني )تروي حادث السيارة الذي تعرضت له مابينالعاصمة وسلامندر و وترحمها على مرافقيها..حيث يلتحم الأسى باشراقة الفن والكآبة بنامة التفاؤل بجمال الحياة وعظمة العيش برغم كل الأرزاء. 
وكان الشيئ الذي يميز الريميتي عزة النفس..ففيي احتفالية كبرى بالجزائر ..تصادف وان تزامن مجيئ الريمتي كمدعوة من باريس مع الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي..استقبلت الرومي بشكل رسمي بينما اهملت الريميتي. .فما كان منها الا ان قررت العودة فورا من حيث اتت على نفس متن الطائرة التي حطتها..لم تنجح الاعتذارات في ثنيها عن قرارها..شكل ذلك جرحا كبيرا في أعماقها وهي التي احتفت بها كل عواصم العالم من باريس الى طوكيو. 
وعندما ماتت وحمل نعشها إلى الحزائروكان ذلك في عهد وزيرة الثقافة خليدة تومي لم تحظ الريميتي بأي استقبال او تكريم..وقتها كنت على رأس الجزائر نيوز واحتفينا بها اعلاميا في وجه ذلك النكران المرير.
ان الريميتي ستظل ذلك الصوت الذي غنى الحرية والجمال وتمثل تلك الرمزية المتمثلة في السمو بجمالية الجسد الجريح ..الجسد الذي انحفرت فيه لغة الوشم كمعنى زخم يمنح الرغبة الجامحة في استعادة تلك الجمالية التي استقرت طويلا في متاهات عالم الدهاليز منعدم الكلمات والمشوه الملامح من قبل كهنة عبادة سلطة الامتثال والسكون .
مذكرات احميدة العياشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.