لم يكن القرار الذي أعلنته الجزائر، الخميس 10 سبتمبر 2026، بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة خياراً متسرعاً ولا وليد انفعال عابر، بل جاء خطوة سيادية حتمية بعد أن استنفدت الدبلوماسية الجزائرية، بحسب بيان وزارة الشؤون الخارجية، كل فرص الحوار وضبط النفس. ولعل من المفارقات اللافتة أن إمارة صغيرة المساحة والعدد، لا تتجاوز مساحتها جزءاً يسيراً من تراب الجزائر الواحد، ارتأت أن تُقحم نفسها في لعبة تكبرها بكثير، فراحت تتصرف وكأن ثقلها الجيوسياسي يوازي طموحها المالي، متناسية أن المال وحده لا يصنع مكانة، وأن الشراء لا يُغني عن التاريخ حين يغيب النضال.
إن المتابع لمسار العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة يدرك أن أبوظبي، التي اعتادت أن تشتري النفوذ بالأموال في أكثر من ساحة عربية، ظنت أن بإمكانها أن تكرر التجربة نفسها مع دولة لم تُبنَ مكانتها على العقود التجارية ولا على واجهات ناطحات السحاب، بل على ملايين الشهداء ومسار كفاح طويل ضد الاستعمار. لقد راهنت الإمارات، فيما يبدو، على أن الجزائر ستبتلع الخيانات المتكررة كما ابتلعتها أطراف أخرى في المنطقة أنهكها الضعف والتشرذم، متناسية أن الجزائر ليست ساحة تفصيل نفوذ يُشترى بشيكات ولا مساومات تُدار من خلف الكواليس. لقد ظلت الجزائر، على مدى سنوات من التوتر المتصاعد منذ 2020، تراهن على الحكمة وتمنح الفرصة تلو الأخرى لتصويب المسار، محذرة من مغبة التمادي في استعداء دولة بحجم الجزائر وثقلها وتاريخها النضالي، لكن يبدو أن لغة الحكمة لا تصل إلى من اعتاد أن يقيس العلاقات بمنطق الصفقات لا بمنطق الندية والاحترام المتبادل.
حين يتحول الصبر الدبلوماسي إلى مبرر للمزيد من الاستفزاز والتمادي، يصبح الصمت عبئاً لا يليق بدولة جعلت من استقلال قرارها نبراساً ثابتاً لا يخضع لأي حساب ظرفي أو ابتزاز مقنّع بلغة الأخوة. ولعل ما يثير السخرية أكثر من أي شيء آخر هو أن من يوجّه الاتهامات ويستفز جارته الكبرى في المنطقة، هو ذاته من سارع للانخراط في مسارات التطبيع مع الاحتلال، متوهماً أن الانبطاح الإقليمي يمنحه شرعية إقليمية توازي حجمه الحقيقي. إن من يبيع قراره السياسي لغيره لا يحق له أن يعلّم الآخرين دروساً في السيادة، ومن يقيس علاقاته بمنطق التبعية لا يملك الحق في انتقاد من يرفض الانصياع.
يمثل هذا القرار تجسيداً للإرادة السياسية الجامعة خلف مؤسسات الدولة الجزائرية. إنه رسالة واضحة مفادها أن أمن الجزائر وكرامتها واستقرار محيطها الحيوي ليست أوراقاً للتفاوض ولا أدوات للمناورة الإقليمية تُدار من عواصم اعتادت شراء الولاءات بدل كسب الاحترام. لطالما أكدت الجزائر عبر محطات تاريخها أنها لا تعتدي على أحد ولا تتدخل في الشؤون الداخلية لأي طرف، لكنها بالمقابل لا تقبل أن تُستهدف ثوابتها أو تُستنزف مصالحها المصيرية من طرف من لا يملك من المؤهلات التاريخية ما يخوّله الحديث عن الشأن الإقليمي بلغة الوصاية.
إن التفاعل الشعبي والسياسي الواسع مع هذا القرار يعكس التفافاً وطنياً حول خيار سيادي بامتياز، ورسالة مفادها أن زمن استجداء الرضا الخليجي بأي ثمن قد ولّى. فالجزائر التي دفعت أثماناً باهظة لنيل استقلالها وسيادتها تدرك جيداً كيف تحمي مكتسباتها التاريخية، ولن تسمح لمن استبدل بوصلته السياسية بمنطق الصفقات أن يُملي عليها كيف تُدير شؤونها أو من تصادق ومن تقاطع. وما هذا الإجراء الحازم سوى تأكيد جديد على أن التعامل مع الجزائر يقتضي الندية واحترام القرار السيادي، لا محاولات الضغط أو الإملاء التي لطالما نجحت مع غيرها ولن تنجح معها.
سواء اتفق القارئ مع تفاصيل القرار أو اختلف معه، فإن الرسالة التي أراد صانع القرار الجزائري إيصالها واضحة وقاطعة: من اعتاد أن يشتري الولاءات عليه أن يدرك أن هناك دولاً لا تُشترى، ومن ظن أن المال يصنع الهيبة عليه أن يراجع حساباته أمام دولة صنعت هيبتها بدماء أبنائها لا بعائدات النفط.



