أقرت المحكمة العليا، في قرارها الصادر بتاريخ 19 نوفمبر 2020 ضمن الملف رقم 1316876، مبدأً مهمًا في النزاعات المرتبطة بإيقاف شرائح الهاتف النقال مسبقة الدفع، من شأنه إعادة ضبط العلاقة بين المتعاملين والزبائن وترجيح كفة حماية المستهلك باعتباره الطرف الأضعف في هذا النوع من العقود.
وبحسب ما جاء في مضمون القرار المتداول، فإن شركة “الوطنية للاتصالات الجزائر” لا يمكنها إيقاف تشغيل شريحة هاتف نقال لزبونها بحجة عدم استعمالها لمدة تفوق ثلاثة أشهر، إذا كان سندها في ذلك قرارًا تنظيميًا صدر بعد تاريخ اقتناء الزبون للشريحة. ويستند هذا التوجه إلى مرجعيات تنظيمية تخص تعريف المشترك في خدمات الهاتف الخلوي مسبق الدفع، وما ترتب عنها من قواعد لاحقة وردت في المواد 3 و4 و8 من القرار رقم 84/2014، مع الإشارة إلى أن القرار السابق رقم 09/04 المؤرخ في 01/02/2009 قد أُلغي لاحقًا بقرار 29/06/2014.
الأهم في هذا الاجتهاد القضائي، أنه غيّر جوهر السؤال المطروح في قضايا إيقاف الشرائح. فبدل التركيز على ما إذا كان الزبون قد استعمل شريحته من عدمه، أصبح المحور الحقيقي للنزاع هو: هل تمتلك الشركة دليلًا قاطعًا على أنها قامت بإعلام الزبون قبل الإيقاف؟ إذ شددت المحكمة العليا، وفق نفس المصدر، على أن الإيقاف ليس إجراءً آليًا بمجرد مرور مدة عدم الاستعمال، وإنما هو إجراء “مشروط” يسبقه عنصر جوهري يتمثل في الإعلام المسبق “بكل الوسائل”.
إقرأ أيضا:موعد عاشوراء 2022 بالجزائروفي السياق ذاته، كرّس القرار مبدأ “قلب عبء الإثبات” لصالح الزبون، باعتبار أن المستهلك لا يمكن تكليفه بإثبات واقعة سلبية مثل القول إنه لم يتلق إخطارًا. وعليه، يصبح المتعامل – قانونيًا وتقنيًا – ملزمًا بتقديم ما يثبت قيامه بإجراءات الإعلام قبل الإقدام على قطع الخدمة، وهو ما يفرض على الشركات اعتماد آليات إشعار قابلة للإثبات والتتبع.
ويترتب عن هذا المبدأ أثر قضائي مباشر، يتمثل في أن غياب الدليل التقني أو المستندي على الإخطار يُفسَّر قانونًا على أنه إيقاف تعسفي قد يرتب المسؤولية على الشركة. كما اعتبرت المحكمة، وفق ما نُقل، أن تمسك الزبون بدفع “عدم تلقي الإخطار” يُعد دفعًا جوهريًا يلزم محاكم الموضوع بالتحقق من وسائل الإثبات التي تقدمها الشركة. وأي حكم يقر بشرعية الإيقاف دون التأكد من واقعة الإعلام يُعد قاصر التسبيب ومعيبًا، ويكون مآله النقض.
إقرأ أيضا:فيديو يوضح حادثة اطلاق النار في وهران على المباشرويُنتظر أن ينعكس هذا التوجه على ممارسات المتعاملين في سوق الهاتف النقال، عبر تشديد إجراءات الإخطار والرفع من مستوى الشفافية، بما يضمن حماية أكبر للزبون ويحد من القرارات الانفرادية غير المؤطرة بدليل أو إشعار مسبق.

