في زمنٍ لم تكن فيه المنصات الرقمية تصنع النجومية بضغطة زر، كتب رابح ماجر اسمه بعرق القميص، وبقدمٍ وقّعت واحدًا من أشهر الأهداف في تاريخ كرة القدم، ورفعت علم الجزائر في ملاعب العالم. كان رمزًا لجيلٍ رأى في انتصارات “الخضر” امتدادًا لروح الاستقلال، فحفظ اسمه في الذاكرة الشعبية كعنوان للفخر. اليوم، يعود الرجل إلى مدرجات بلده، لا لاعبًا ولا مدربًا، بل ضيف شرف فقط، فيجد نفسه أمام صفير استهجان بدل التصفيق، وكأن المسافة بين الأمس واليوم كفيلة بمحو ما صنعته السنوات فوق العشب.
ماجر.. من أسطورة الملعب إلى متهم في ذاكرة الجمهور
لا أحد يختلف على أن مسيرة ماجر كلاعب من الأجمل في تاريخ الكرة الجزائرية؛ هدف الكعب مع بورتو في النهائي الأوروبي، وأهدافه مع المنتخب في مونديال 1982 و1986، كلها محطات صنعت صورته كأيقونة كروية. لكن ما تلا الاعتزال – من تجربة تدريبية لم تقنع الجميع، وتصريحات وظهور إعلامي مثير للجدل أحيانًا – جعل جزءًا من الجمهور يختزل الرجل في تلك المرحلة فقط. هنا تحول التقييم من قراءة متوازنة لمسيرة كاملة، إلى محاكمة قاسية للحاضر تُسقط الماضي معها، فيسهل على البعض إطلاق صافرة استهجان ويصعب عليهم استحضار ليلة كان فيها اسم ماجر مرادفًا لفرحة وطنية.
إقرأ أيضا:محرز يخرج عن صمته .. لا أستطيع الصبر كثيرازيدان.. حبّ لنجاح “بعيد”
على الجانب الآخر، يأتي زين الدين زيدان إلى نفس المدرجات فيُستقبل بهتافات وتصفيق حار، كواحد من أعظم من لمس الكرة في تاريخها الحديث. هو ابن هذا الفضاء الثقافي نفسه، لكن رايته الكروية كانت فرنسية، وأمجاده تحققت بقميص “الديوك” وريال مدريد، أي خارج حقل الخلافات اليومية للجمهور الجزائري والعربي. لذلك يبدو حب زيدان “أسهل”: لا يذكّر الناس بأزمات منتخباتهم ولا بسجالات اتحاداتهم، بل يختزل في صورة لاعب عبقري ومدرب ناجح، يُمكن الاحتفاء به بلا ثمن عاطفي أو سياسي. هنا تصبح المقارنة بين الاستقبالين مقارنة بين مشاعر لا بين سِيَرٍ رياضية.
وفاءٌ يتآكل وذاكرةٌ انتقائية
ما يحدث لا يعني أن الجماهير ناكرة للجميل بشكل مطلق، بل يكشف عن ظاهرة أوسع: ذاكرة جماعية تنتقي ما يوافق مزاج اللحظة وتقسو على ما يُذكّرها بخيباتها. حين ينجح بطل “بعيد”، نحتفل به لأنه يمنحنا إحساسًا رمزيًا بالانتماء إلى قصة نجاح عالمية، بينما نتعامل مع أبطال الداخل كمرآة لمشاكل الحاضر، فنوجّه نحوهم غضبنا وإحباطنا، حتى لو كان رصيدهم التاريخي أكبر من زلاتهم الآنية. الخطر هنا أن يتحول هذا السلوك إلى قاعدة: نكرم النجاحات عندما ترتبط بأعلام أخرى، ونحاكم رموزنا إلى حد الإلغاء عندما يخطئون، فنخسر ذاكرة مشتركة كان يمكن أن تشكل أساسًا لهوية رياضية أكثر تماسكًا.
إقرأ أيضا:بالفيديو .. براهيمي يسجل هدفين ويقلب تأخر اغرافة لفوز مثير على الأهليهل نحتاج إلى “مصالحة” مع أبطالنا؟
المسألة ليست في منع النقد أو تلميع صورة أي اسم، بل في طريقة موازنة الحساب: كيف ننتقد أداء ماجر كمدرب أو مسؤول دون إعدام ماجر اللاعب الذي أسعد أجيالًا كاملة؟ وكيف نرحب بزيدان النجم العالمي دون أن يتحول ذلك – عن قصد أو دون قصد – إلى صفعة رمزية لرجال رفعوا علمنا بالأمس؟ ربما آن الأوان لمصالحة مع ذاكرتنا الرياضية؛ مصالحة تعترف بأن الأبطال بشر يخطئون، لكن أقدامهم تركت على العشب ما لا يجوز مسحه بصفير لحظة غضب، وأن الاحتفاء الحقيقي يبدأ من القدرة على احترام من صنعوا جزءًا من حكايتنا، حتى وإن اختلفنا معهم اليوم.
