عبدالحميد ابراهيمي .. المسؤول الوحيد الذي أبكاني مرتين تأثرا

 عندما كان المرحوم عبدالحميد ابراهيمي وزيرا أول كنت صحفيا مغمورا في مكان ما – وما زلت مغمورا على كل حال – فما عرفته وما كتبت عنه حتى عندما فجر ما عرف بقضية الستة وعشرين مليار، ذلك لأني كنت أكتب في القضايا الدولية، هروبا من القضايا الوطنية لأنني كنت معارضا للنظام موغلا في المعارضة، وما زلت ويبدو أني سأبقى حتى يتوفاني الموت لأنه لا أمل في الأفق.


  في الدوحة باح بألمه

في ألفين وخمسة كنت في مهمة صحفية بالدوحة، فالتقيت الرجل صدفة في بهو الشيراتون أثناء استراحة تخللت الأشغال، تقدم نحوي رجل طويل القامة معكوف الأكتاف، قلت في قرارة نفسي هذا الشخص أعرفه، عندما اقترب عرفت أنه الوزير الأول الأسبق في عهد المرحوم الشاذلي بن جديد،حيّانا وصافحنا، قدمت نفسي كنت أعتقد أنه عرف أني جزائري من هيئتي أو من كلامي..

قال لي: “بارك الله فيك رانا نقراو واش راك تكتب، وواش راكم اديروا في الشروق شيء جيد..” فاجأني بكلامه وما كنت أعتقد أن أحدا يعرفني رغم أني كنت حينها مدير تحرير الشروق اليومي، فلم يحدث لي في حياتي أن ادعيت أني صحفي.. حتى في الحي الذي كنت أسكن قلة من الناس كانوا يعرفون أنني صحفي، وفي قريتي التي كنت أعود إليها أسبوعيا كان الكثير يعتقد أنني ما زلت أدرس، حتى أن أحد الجيران قال لي مرة مستغربا:”ناصر أنت ما تكملش القراية هذي”.. قلت له: “يا راجل انا كاش ما بقي لي القراية راني نخدم على شري..”

  قصة تنكر و”حقرة” موصوفة

لم أخفي دهشتي من كلام الوزير لكنه أدهشني أكثر عندما بدأ يخوض معي في حديث حميمي وكأنه يعرفني منذ مدة أو كأني صديقه منذ مدة.. بدا الرجل حنونا عطوفا طيبا متأثرا ومشتاقا للجزائر ولم يتوقف عن الحديث لعله اشتم فيّ رائحة الوطن فاسترسل في الكلام .. حتى أنني تساءلت حينها كيف كان هذا الرجل الطيب وزيرا أول في نظام صقور مارس على الجزائريين كل أنواع الغلق والتضييق، طبعا غلق كان يبدو كذلك لكنه مقارنة مع ما نعيشه اليوم فهو أرحم بكثير.. 

ولعل أخطر ما أسر لي به الرجل متأثرا هو حرمانه من التقاعد وجواز السفر، ورفض السفارة الجزائرية في لندن تجديد جوازه فاضطر لاستعمال جواز سفر يريطاني في تنقلاته، نظرت إليه مستغربا مستفهما وإذ بعينيه تغرورقان بالدموع تأثرا وتشحرجت كلماته.. صُدمت بالخبر ولم أجد ما أقول.. بعد فترة صمت وتأثر قلت له هل اتصلت بالسفير فأشار لي برأسه أن يا حسرة، وفهمت أن السفير أحمد عطاف على ما أعتقد، لم يكلف نفسه حتى استقباله في السفارة وليس حرمانه من الجواز فحسب..

  من وزير إلى لاجئ “بدون”..

بعد حديث تشعب إلى نشاطه في لندن والمصاعب التي يواجهها في رعاية الموقع الذي أسسه في عاصمة الضباب.. حانت لحظة الفراق وكانت غاية في التأثر، قال لي الرجل متأثرا :”أنا الآن سأغادر إلى إحدى الدول الخليجية هنا لزيارة ابنتي ومن ثم ربي يعملها حل”.. وعانقني مودعا وكأني ابنه أو صديقه الحميم وأنا لم يسبق لي أن قابلته في حياتي إلا في تلك اللحظات..

شعرت أن الرجل مجروح ويتألم ويحن للوطن وأبنائه، اكتشفت مرارة تلك المشاعر في هجرتي الأولى إلى الدوحة في ألفين وتسعة، وتجددت في هجرتي الثانية إلى إسطنبول في ألفين وتسعة عشر، وأشعر بها اليوم أكثر من أي وقت مضى..

  بوعقبة يحرك “السواكن”..

غادر الرجل قاعة الفندق بخطى متثاقلة، فلم أتمالك نفسي حتى شعرت بالدموع تنهمر هكذا وكأني ودعت أخا أو عزيزا أو صديقا حميما، رق قلبي لحاله وأحست بمشاعر الظلم التي تحرق قلبه، وبثه وحزنه وهوانه على المسؤولين الذين جاؤوا من بعده، والتنكر الذي يعانيه، وحرمانه من أبسط حقوقه في الحصول على جواز سفر وتقاعده باعتباره مواطنا جزائريا أفنى حياته متقلبا في مناصب المسؤولية، لا لشيء سوى لأنه ضاق ذرعا بنظام فاسد ازداد فسادا فعارضه وفضح بعض ممارساته.. 

بعد العودة إلى الجزائر قصصت الحكاية على الجماعة في الشروق اليومي فكتب عنها الزميل سعد بوعقبة دون أن يذكرني أو يذكر مصدر الخبر الذي كتب عنه معلقا مستغربا مستنكرا.. ومعروف أنه عندما يكتب بوعقبة يحرك السواكن، وفعلا يبدو أنها تحركت.. لكن سعدا عاد في جانفي ألفين وستة عشر ليذكر بالقصة في جريدة الخبر وقد هالته أخبار بأن وضع الوزير لم يسو كما أُبلغ من ذي قبل، فعاود الكتابة وذكرني فيها رفعا للبس الإيحاءات أو المهماز كما قال في تعليقه.

  جريمة القتل الشنيعة كادت تقتلني

تذكرت الحادثة وأنا أطالع أخبار وفاة الرجل رحمه الله وأسكنه الجنة وألهم ذويه جميل الصبر والسلوان، فبكبته للمرة الثانية متأثرا لكن بحرقة أكبر هذه المرة، بكيته لأنه أحيا مواجعي وآلامي، أنا المفجوع في مقتل الشاب جمال بن إسماعيل قتلةً همجية وحشية، لم أستوعب بعد كيف يمكن لبشر أن يفعلوا في إنسان مثلما فعل أولئك في الأربعاء ناث إيراثن بشاب جاء متضامنا مساعدا على إطفاء ألسنة اللهب في المنطقة..

الجريمة جمدت الدم في عروقي، وأصابتني بالذهول فانزويت في البيت طيلة يومين مرعوبا وكأن الوحوش تتربص بي إن أنا خرجت، رغم أني بعيد عنهم آلاف الكيلومترات.. هجرت الكمبيوتر خوفا من أن يبرز إلي القتلة فيغتالونني لأني تضامنت واستنكرت ونددت بقتل جمال الجميل المسالم.. لقد أصبحت أراهم في كل مكان والعياذ بالله..خشيت أن أُشل أو أفقد عقلي من شدة الهوس ومشهد السحل والقتل والحرق يؤرقني ويذهب عني النوم، كم تمنيت لو كانت القصة مجرد كابوس أرتاح منه بمجرد أن أستيقظ، لكنه كان أكبر من الكابوس وأشد إيلاما.. 

  بكيت جمال والابراهيمي ومعهما بكيت حالي

خبر وفاة الإبراهيمي وأخبار الموت التي تعج بها شبكات التواصل أدخلتني هستيريا الموت والهلاك وعالم الفناء والرحيل والآخرة وموت الفجأة بعيدا عن الأهل في ديار الغربة لا يعرفك فيها أحد ولا يسمع عنك فيها أحد.. بكيت الإبراهيمي وبكيت جمال مرة أخرى ومعهما بكيت حالي، وتذكرت أهوالي أنا الهائم في هذه المدينة الجميلة القاسية، بلا قرار ولا عنوان ولا استقرار.. 

صحيح لم أُحرم من جواز السفر ولا من السفر لكنني حُرمت من العيش حياة كريمة في وطني بين أبنائي وأهلي وعشيرتي، ومُنعت من العمل بقرار غير مكتوب.. منذ ألفين وسبعة وأن أسحب حقيبتي وعلى كتفي معطفي وفي جيبي قلمي.. مهاجرا في مناكب الأرض، أتعلم منها ما لم أتعلمه في البيت من والداي، وفي المدرسة من معلمي، وفي مهنة المتاعب ووسطها الموبوء، وفي الحياة عامة..

  العودة لسعير الوطن لا مفر

أَسَرتني الجائحة وغلّقت علي الأبواب وقالت لي هيت لك، وما أصابتني والحمد لله، وعندما فُتحت الأبواب هجرت مستجيرا بالرمضاء من النار، من انسداد الآفاق إلى آفاق أكثر انسدادا.. عزائي الوحيد أنني في مدينة جميلة تحلو فيها الحياة.. حيثما وليت وجهك تحس بالراحة والأمن والطمأنينة.. في انتظار العودة إلى سعير الوطن..

وقد كُتب للمرحوم عبدالحميد الابراهيمي أن يعود إلى الوطن ويقضي بضع سنوات بين أهله وذويه حتى توفته المنية هذا اليوم، وهي ميتتة كم يتمناها من ذاقوا مرارة العيش في الشتات محرومين من العودة إلى بلادهم حتى قضوا نحبهم وعادوا في صناديق مشمعة..

  لا ميتة هنيئة “لليابنجي”

فاللهم أعدنا إلى الوطن سالمين غانمين ولا تكتب لنا الموت بعيدا عن الأهل والولد.. وإن كانت الموت هنا جميلة هي الأخرى بطقوسها الإيمانية وجنائزها المنظمة ومقابرها “المتحفية” الأشبه بالحدائق الغناء، لكنها ميتة لا يتمتع بها الأجانب، فأنا هنا في نظر القوم مجرد “يابانجي” أي أجنبي ثري جاء ليصرف دولاراته مقابل متعة سياحية جميلة لا يجدها في بلده..

هذه الشهادة كتبها الصحفي – نصر الدين قاسم

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.