مرضى ومجانين حكموا العالم

ما زلت أذكر إلى اليوم كتاب بيير آكوس، والدكتور بيير رونتشنيك الموسوم “هؤلاء المرضى يحكموننا” والذي أثار ضجّة كبيرة حين صدوره وكان من الكتب الأكثر مبيعا آنذاك. يتحدّث الكاتبان فيه عن ملوك، وزعماء، ورؤساء، وعسكريين أخفوا أمراضا، وأسقاما، وعللاً كانت تنهش أجسادهم، وكادت تؤدّي إلى أزمات وطنيّة، وحتى دوليّة.

وأفضل مثال يسوقه المؤلفان عن مرضى حكموا قوى عظمى: فرانكلين روزفلت، رئيس الولايات المتّحدة، الذي شارك، وهو على كرسيه المتحرّك الشهير، في مفاوضات يالطا التي حدّدت مصير العالم بعد الحرب العالميّة الثانية، مع تشرشيل في مواجهة جوزيف ستالين، وهو في أوّج زهو اِنتصاره على النازيّة، وفي ذروة قوّته البدنيّة والذهنيّة. ويخلص الدكتور روتنشنيش إلى أنّ ستالين لو واجه هاري ترومان آن ذاك لكان مصير أوروبا، والعالم مصيرا آخر.
الرؤساء المرضى كُثرُ، وأكثرهم من حمل معه سرّ علّته إلى قبره. فالسّر الطبيّ يمنع الطبيب المعالج من قول الحقيقة، ويتحوّل بفعل دواعي مصلحة الدولة إلى سرّ دولة مصون. في إسرائيل تمّ إخفاء مرض وزير الدفاع موشي دايان، ورئيس الوزراء آريال شارون، وفي إيران كان الحديث عن مرض الخميني بمثابة كفر، وفي فرنسا تمّ التكتّم عن مرض الجنرال ديغول، والرئيس بومبيدو الذي مات بالمرض نفسه الذي مات به هواري بومدين والدنستروم Waldenström ، وأخفى ميتران إصابته بالسّرطان مدّة 14سنة كاملة.
الماريشال تيتو لم يُعلن عن مرضه، وموته إلاّ بعد فترة طويلة لأسباب سياسيّة متعلّقة بخلافاته. وفرانكو عاش تحت الإنعاش قبل أن يسلّم الصحراء الغربيّة لصديقه ملك المغرب.
أمّا المجانين الذين حكموا شعوبهم، وهم غارقون في هوة الجنون السّحيقة أو الخرف المفضوح، فمنهم كاليغولا، ونيرون، وأمبراطور الأباطرة في إفريقيا الوسطى بوكاسا، وعيدي أمين دادا المارشال الملاكم، ومعمر القذافيّ، والألبانيّ أنور خوجة، والحبيب بورقيبة.
أمّا عندنا في الجزائر فقد تمّ إخفاء مرض هواري بومدين أكثر من ثلاث أشهر، ومرض خليفته الشاذلي بن جديد فترة طويلة في بلجيكا، ومرض عبد العزيز بوتفليقة قبل أن ينكشف للعلن.
قرأت عن ملوك فرنسا مصنّفات، وسيّر لا تعدّ ولا تحصى، فوجدت بينهم الذكيّ والغبيّ، الماكر والساذج، من حكم بيد من حديد، ومن حكموا باسمه، من خدع شعبه، والمخدوع في شرفه. غير أنّ الشّعب الفرنسيّ الذي اِبتدع عبارة “مات الملك، عاش الملك الجديد” فلم يكن على الدوام على دين ملوكه، إذ أعدم بعضهم، وخلع بعضهم الآخر، ونفى آخرين
وأكثر ما أثار اِهتمامي، سيرتا ملكين: لويس الرابع عشر، ولويس الثامن عشر:
فينحدر لويس الرابع عشر من سلالة آل بوربون، جلس على العرش مدّة 72 سنة، وهي أطول مدّة في تاريخ الملَكِيات في العالم. أسّس حكما شموليّا مُطلقا على أساس الحق الإلهي. كان مهووسا بمجده الشّخصيّ، ومات بجنون العظمة موهما نفسه أنّه هو الدولة، والدولة هو، عرف في التاريخ بالملك الشمسLe roi soleil .
وأمّا الثاني، فهو لويس الثامن عشر.
فقد تكالبت على جسده مشتلة من الأمراض منها السّكريّ، والنقرس، وتكلّس العظام، والغنغرينا. ورفض أن يغادر العرش مردّدا عبارة فيسبايسيان “الأمبراطور يجب أن يموت واقف”L’empereur doit mourir debout. وظلّ يحكم عرش فرنسا، وهو على كرسيّ متّحرك، وكان هو نفسه يطلق على نفسه “الملك الكرسي” le roi fauteuil. أمّا أعداؤه من الشعب البسيط وأنصار نابليون، فقد كانوا يسمّونه الخنزير الثامن عشر. توفي بعد أن تفسّخ جسده تماما، وخلفه على عرشه شقيقه.
شعوب حكمها مرضى، وتصرّف في مصائرها مجانين دخلوا التّاريخ من أبوابه الواسعة، ولم يلفظهم من أبوابه الضيّقة.
عبد العزيز بوباكير


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.